فخر الدين الرازي
413
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
ثم قال تعالى : وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِياءَ وَلكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فاسِقُونَ والمعنى : لو كانوا يؤمنون باللَّه والنبي وهو موسى وما أنزل إليه في التوراة كما يدعون ما اتخذوا المشركين أولياء ، لأن تحريم ذلك متأكد في التوراة وفي شرع موسى عليه السلام ، فلما فعلوا ذلك ظهر أنه ليس مرادهم تقرير دين موسى عليه السلام ، بل مرادهم الرياسة والجاه فيسعون في تحصيله بأي طريق قدروا عليه ، فلهذا وصفهم اللَّه تعالى بالفسق فقال وَلكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فاسِقُونَ وفيه وجه آخر ذكره القفال ، وهو أن يكون المعنى : ولو كان هؤلاء المتولون من المشركين يؤمنون باللَّه وبمحمد صلى اللَّه عليه وسلم ما اتخذهم هؤلاء اليهود أولياء ، وهذا الوجه حسن ليس في الكلام ما يدفعه . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 82 ] لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ ( 82 ) قوله تعالى : لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى . اعلم أنه تعالى لما ذكر من أحوال أهل الكتاب من اليهود والنصارى ما ذكره ذكر في هذه الآية أن اليهود في غاية العداوة مع المسلمين ، ولذلك جعلهم قرناء للمشركين في شدة العداوة ، بل نبّه على أنهم أشد في العداوة من المشركين من جهة أنه قدم ذكرهم على ذكر المشركين . ولعمري أنهم كذلك . وعن النبي صلى اللَّه عليه وسلم أنه قال : « ما خلا يهوديان بمسلم إلا هما بقتله » وذكر اللَّه تعالى أن النصارى ألين عريكة من اليهود وأقرب إلى المسلمين منهم . وهاهنا مسألتان : الأولى : قال ابن عباس وسعيد بن جبير وعطاء والسدي : المراد به النجاشي وقومه الذين قدموا من الحبشة على الرسول صلى اللَّه عليه وسلم وآمنوا به ، ولم يرد جميع النصارى مع ظهور عداوتهم للمسلمين . وقال آخرون : مذهب اليهود أنه يجب عليهم إيصال الشر إلى من يخالفهم في الدين بأي طريق كان ، فإن قدروا على القتل فذاك ، وإلا فبغصب المال أو بالسرقة أو بنوع من المكر والكيد والحيلة ، وأما النصارى فليس مذهبهم ذاك بل الإيذاء في دينهم حرام ، فهذا هو وجه التفاوت : المسألة الثانية : المقصود من بيان هذا التفاوت تخفيف أمر اليهود على الرسول صلى اللَّه عليه وسلم ، واللام في قوله لَتَجِدَنَّ لام القسم ، والتقدير : قسما إنك تجد اليهود والمشركين أشد الناس عداوة مع المؤمنين ، وقد شرحت لك أن هذا التمرد والمعصية عادة قديمة لهم ، ففرغ خاطرك عنهم ولا تبال بمكرهم وكيدهم . ثم ذكر تعالى سبب هذا التفاوت فقال ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ وفي الآية مسألتان : الأولى : علة هذا التفاوت أن اليهود مخصوصون بالحرص الشديد على الدنيا والدليل عليه قوله تعالى :